الشيخ محمد رشيد رضا
201
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وامتد حكم الاسلام بعد الفتح إلى الأماكن البعيدة عن المدينة . وكان في كل قبيلة أو قرية من أولئك المسلمين رجال من أهل المكانة والرأي يمكن أن يقال إنه قد احتيج إلى وضع قاعدة أو نظام للشورى يبين فيه طرق اشتراك أولئك البعداء من مكان السلطة العليا فيها . ولكن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يضع هذه القاعدة أو النظام لحكم وأسباب منها ) أن هذا الأمر يختلف باختلاف أحوال الأمة الاجتماعية في الزمان والمكان وكانت تلك المدة القليلة التي عاشها صلّى اللّه عليه وسلّم بعد فتح مكة مبدأ دخول الناس في دين اللّه أفواجا وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم أن هذا الأمر سينمو ويزيد وأن اللّه سيفتح لأمته الممالك ويخضع لها الأمم وقد بشرها بذلك . فكل هذا كان مانعا من وضع قاعدة للشورى تصلح للأمة الاسلامية في عام الفتح وما بعده من حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وفي العصر الذي يتلو عصره إذ تفتح الممالك الواسعة وتدخل الشعوب التي سبقت لها المدنية في الاسلام أو في سلطان الاسلام ؛ إذ لا يمكن أن تكون القواعد الموافقة لذلك الزمن صالحة لكل زمن والمنطبقة على حال العرب في سذاجتهم منطبقة على حالهم بعد ذلك وعلى حال غيرهم ، فكان الأحكم أن يترك صلّى اللّه عليه وسلّم وضع قواعد الشورى للأمة تضع منها في كل حال ما يليق بها بالشورى ومنها : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لو وضع قواعد موقتة للشورى بحسب حاجة ذلك الزمن لاتخذها المسلمون دينا وحاولوا العمل بها في كل زمان ومكان ، وما هي من أمر الدين ولذلك قال الصحابة في اختيار أبى بكر حاكما : رضيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا ؟ فان قيل : كان يمكن أن يذكر فيها أنه يجوز للأمة أن تتصرف فيها عند الحاجة بالنسخ والتغيير والتبديل . نقول : إن الناس قد اتخذوا كلامه صلّى اللّه عليه وسلّم في كثير من أمور الدنيا دينا مع قوله « أنتم أعلم بأمر دنياكم » رواه مسلم . وقوله « ما كان من أمر دينكم فإلى ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به » رواه أحمد . وإذا تأمل المنصف المسألة حق التأمل وكان ممن يعرف حقيقة شعور طبقات المؤمنين من العامة والخاصة في مثل ذلك يتجلى له أنه يصعب على أكثر الناس أن يرضوا بتغيير شئ وضعه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للأمة وإن أجاز لها تغييره بل يقولون : إنه